فخر الدين الرازي

217

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فَيَدْمَغُهُ كان يقع لمتوهم أن الباطل كان فورد عليه الحق / فأبطله ودمغه ، فقال هاهنا ليس للباطل تحقق أولا وآخرا ، وإنما المراد من قوله : فَيَدْمَغُهُ أي فيظهر بطلانه الذي لم يزل كذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى في موضع آخر : وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [ الإسراء : 81 ] يعني ليس أمرا متجددا زهوق الباطل ، فقوله : وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ أي لا يثبت في الأول شيئا خلاف الحق وَما يُعِيدُ أي لا يعيد في الآخرة شيئا خلاف الحق . ثم قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 50 ] قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ( 50 ) هذا فيه تقرير الرسالة أيضا وذلك لأن اللّه تعالى قال على سبيل العموم : فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ [ الزمر : 41 ] وقال في حق النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي يعني ضلالي على نفسي كضلالكم ، وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم ، وإنما هو بالوحي المبين ، وقوله : إِنَّهُ سَمِيعٌ أي يسمع إذا ناديته واستعديت به عليكم قريب يأتيكم من غير تأخير ، ليس يسمع عن بعد ولا يلحق الداعي . ثم قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 51 ] وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 51 ) لما قال : سَمِيعٌ قال هو قريب فإن لم يعذب عاجلا ولا يعين صاحب الحق في الحال فيوم الفزع آت لا فوت ، وإنما يستعجل من يخاف الفوت . وقوله : وَلَوْ تَرى جوابه محذوف أي ترى عجبا وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ لا يهربون وإنما الأخذ قبل تمكنهم من الهرب . ثم قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 52 ] وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 52 ) أي بعد ظهور الأمر حيث لا ينفع إيمان ، قالوا آمنا وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ أي كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب وذلك لا يكون إلا في الدنيا وهم في الآخرة والدنيا من الآخرة بعيدة ، فإن قيل فكيف قال كثير من المواضع إن الآخرة من الدنيا قريبة ، ولهذا سماها اللّه الساعة وقال : لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [ الشورى : 17 ] نقول الماضي كالأمس الدابر بعد ما يكون إذ لا وصول إليه ، والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آت ، فيوم القيامة الدنيا بعيدة لمضيها وفي الدنيا يوم القيامة قريب لإتيانه والتناوش هو التناول عن قرب . وقيل عن بعد ، ولما جعل اللّه الفعل مأخوذا كالجسم جعل ظرف الفعل وهو الزمان كظرف الجسم وهو المكان فقال : مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ والمراد ما مضى من الدنيا . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 53 ] وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 53 ) ثم بين اللّه تعالى أن إيمانهم لا نفع فيه بسبب أنهم كفروا به من قبل ، والإشارة في قوله : / آمَنَّا بِهِ وقوله : وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ إلى شيء واحد ، إما محمد عليه الصلاة والسلام وإما القرآن وإما الحق الذي أتى به محمد عليه السلام وهو أقرب وأولى ، وقوله : وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ ضد يؤمنون بالغيب لأن الغيب ينزل من اللّه على لسان الرسول ، فيقذفه اللّه في القلوب ويقبله المؤمن ، وأما الكافر فهو يقذف بالغيب ، أي يقول ما لا يعلمه ، وقوله : مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يحتمل أن يكون المراد منه أن مأخذهم بعيد أخذوا الشريك من أنهم لا يقدرون على أعمال كثيرة إلا إذا كانوا أشخاصا كثيرة ، فكذلك المخلوقات الكثيرة وأخذوا بعد الإعادة من